مصطفى صادق الرافعي

173

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ألفاظه من مواضعها ، أو أخرجتها من أماكنها ، وأزلتها عن روابطها حصلت معك ألفاظ كغيرها بما يدور في الألسنة ويجري في الاستعمال ، ورأيتها - وهي في الحالين لغة واحدة - كأنما خرجت من لغة إلى لغة ، لبعد ما كانت فيه مما صارت إليه ، بيد أنك إذا تعرفت ألفاظ اللغة على هذا الوجه في كلام عربي غير القرآن ، أصبت أمرا بالخلاف ، ورأيت لكل لفظة روحا في تركيبها من الكلام فإذا أفردتها وجدتها قريبة مما كانت ، لأنها هي نفسها التي كانت من روح التركيب ، ولم يكن لهذا التركيب في جملته روح خاصة بالنسق والنظم ، فعلى كل لفظة معنى في الجملة كما أعطتها اللغة معنى في الإفراد ، حتى إذا أبنتها وميزتها من هذه الجملة ضعفت ونقصت ، وتبيّنت فيها الوحشة والقلة شبيه الذي يعرض للغريب إذا نزح عن موطنه وبان من أهله ، وكان كل ذلك فيها طبيعيا لأن حقيقة التركيب إنما هي صفة الوحي في هذا الكلام . وهذه الروح التي أومأنا إليها ، ( روح التركيب ) ، لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن ، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس ؛ ولولاها لم يكن بحيث هو كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين ، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها ، ثم إلى تأليف هذا النظم : فمن هاهنا تعلق بعضه على بعض ، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة ؛ هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت ، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب : كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال ، إلى نحوها مما يدور عليه . ولولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة ، على مقدار ما بين هذه المعاني ومواقعها في النفوس ؛ وعلى مقدار ما بين الألفاظ والأساليب التي تؤديها حقيقة ومجازا . كما

--> ثم جاء خزانة العلماء المتأخرين ، الإمام السيوطي ، فعنى بهذا العلم في كتابه الذي صنفه في أسرار التنزيل وقال : إن هذا الكتاب كافل بذلك ، جامع لمناسبات السور والآيات . مع ما تضمنه من بيان وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة . قال : ثم لخصت منه مناسبات السور خاصة في جزء وسميته : « تناسق الدرر في تناسب السور » وقد وقفنا نحن على هذا الجزء ، وهو مخطوط لطيف الحجم يقع في بعض كراريس ، وفيه كلام جيد . وكان نابغة عصرنا الإمام الشيخ محمد عبده - رحمه اللّه - كثيرا ما يعني في تفسيره بحقائق غريبة من تناسب الآيات وتعلق نظم القرآن بعضه ببعض . وله في ذلك فكر ثاقب ونفاذ عجيب ، وبالجملة فإن هذا الإعجاز في معاني القرآن وارتباطها أمر لا ريب فيه وهو أبلغ في معناه الإلهي إذا انتبهت إلى أن السور لم تنزل على هذا الترتيب . فكان الأحرى أن لا تلتثم وأن لا يناسب بعضها بعضا وأن تذهب آياتها في الخلاف كل مذهب ؛ ولكنه روح من أمر اللّه : تفرق معجزا ، فلما اجتمع اجتمع له إعجاز آخر ليتذكر به أولو الألباب . كتبنا هذا للطبعة الأولى ، وقد ظفرت دار الكتب المصرية بكتاب للإمام البقاعي الذي أشرنا إليه آنفا ورسمت بطبعه ، بارك اللّه للأمة فيها ! .